خليل الصفدي

346

أعيان العصر وأعوان النصر

الفخري والعساكر إلى الديار المصرية ، وعاد إلى الوظيفة المذكورة ، وأقام عليها بدمشق إلى أن توفي القاضي بدر الدين محمّد بن فضل اللّه كاتب السر بدمشق ، فكتب الأمير سيف الدين يلبغا ، وكان يومئذ نائب دمشق في القاضي شهاب الدين بن القيسراني ، وسأل من السلطان أن يكون كاتب سرّ بدمشق ، فما قدّر اللّه له بذلك ، وحضر بريدي يطلبه إلى باب السلطان ، فتوجّه إلى الديار المصرية ، فرسم له بأن يكون كاتب إنشاء بالقاهرة ، فأقام على ذلك قليلا ، ورسم له الملك الكامل بأن يكون موقع الدست قدّام السلطان ، فعمل ذلك مديدة ، ثم إنه خرج إلى دمشق على عادته موقع الدست ، فأقام على ذلك إلى أن مرض بعلة الاستسقاء ، ومات في التاريخ المذكور - رحمه اللّه تعالى - . وكان شكلا حسنا تامّ الخلق ، مليح العمّة نظيف اللباس ، عطر الرائحة ، محبوب الشخص حسن الودّ ، صحيح الصحبة ، يملك أمر نفسه في حالتي الخير والشر ، لا يظهر عليه غضب ولا كراهة أحد ، يعامل صاحبه وعدوّه بظاهر حسن وبشاشة ، كثير الاحتمال ، صابرا على أخلاق من يصحبه أو يعاشره ، كثير الآداب والرئاسة ، وكان أخيرا - وهو كاتب السر - يصوم الاثنين والخميس ، ويتعبّد ويذكّر ، لا يقابل أحدا بما يكرهه ، لم أر مثله صحبته مدة تزيد على ثلاث وعشرين سنة ، ما رأيت منه سوءا قط ولا ما أكرهه ، فجزاه اللّه عن الصحبة خيرا . وكان يحب الفقراء والصالحين ، ويتودد إليهم ، ويقضي حوائجهم ، وعمّر العمائر المليحة الغريبة العجيبة ، ولم أر أحدا حاز مثل ذهنه في العمائر واستعمال الصنّاع ، والصبر على ما عندهم من المكاسرة والمدافعة . وقلت أنا أرثيه - رحمه اللّه تعالى - : ( الخفيف ) مات يحيى فكيف يحيا اللّبيب * وبه كانت الحياة تطيب لم يمت إنما الرئاسة ماتت * والمعاني تخرّمتها شعوب كان للنّاس والأنام جمالا * فهو للبدر في التّمام نسيب كان واللّه كاملا في المعاني * وحماه للمعتفين رحيب كان في جوده فريدا فأمّا * إن ذكرت الوفا فأمر عجيب يملأ العين شكله وتسرّ النّف * س أوصافه فما تستريب ورئيس إن قلت فيه رئيس * ما له في الأنام قطّ ضريب خلق كالنّسيم إن مرّ وهنا * في خلال الأزهار وهو رطيب